
العربية
الرمال لا تهْدأ أبدًا
بقلم
- اللغة
- العربية
- التنسيق
- الناشر
- الألمعية للنشر والإشهار
عن هذه الطبعة
إنّ الطفل محاط بمجرات من المشاغل والمغريات والأسئلة، فهل من المجدي اقتحام عالمه الذكي والمخملي المليء بالأحلام والاندفاع والفهم الوردي للعالم، والذي تشكل فيه القراءة في عصرنا هذا جزءا بسيطا أو ربما متلاشيا، مع ذلك فإن المحاولة أفضل من الصمت والاجتراء أفضل من التواني، من هذا المنطلق جاء هذا النص لملامسة عالم الفتى البسيط والمعقد في آن، كي أناقش معه بعض تفاصيل عالم الكبار المعقد والمظلم، محاولا إعادة تشكيل بعض المفاهيم والقيم باعتبار أن النص يحمل قيما ورسائل جادة وليس مجرد كلمات مجانية.
لن يجد القراء - مهما تنوّعوا وتباينوا - صعوبة في فهم أن الرواية ترتكز على المغامرة والبطولة والنبل، تلك القيم التي تميز المجتمعات الجادة وتحدد سلوكياتها وعلاقاتها، وهي قيم أحاول تذكير الطفولة بها بعد أن استهان بها عالم الكبار، لذا فإن القصة تحترم الطفل وتقدّره، بل إن مسار الأحداث يتغير لحظة تدخل الطفل وانغماسه في تفاصيلها، في هذه اللحظة تحديدا تتحول الطفولة إلى مكون اجتماعي فاعل فيصبح الطفل صانعا للمستقبل، قد يبدو هذا الهدف ساذجا ولكنه بشكل أو بآخر هدف مشروع، ولكي يحقق النص مقصديتهلابدّ أن يلامس الأنساق الثقافية المضمرة التي تشكل وعي الطفل وتحدد سلوكاته وقيمه، فمهما كانت تلك الأنساق طاغية وحاضرة فهي قابلة للمساءلة والمناقشة، وعلى سبيل المثال فإنّ الطفل الذي تأسره قصة سندريلا يرى تغيّر حياة بطلة القصة بزواجها من الأمير الجميل، ولكنه بالمقابل لا يرى أن المرأة في القصة كائن عاجز بدون الرجل، وأنها غير قادرة على تحقيق ذاتها إلا إذا أنقذتها قوى من خارج ذاتها، وهي قوى قد تأتي وقد لا تأتي، بل إن المرأة في سياق القصة معادية للمرأة لصالح الرجل، أو بتعبير آخر كي يرضى عنها الرجل، إنها أنساق مضمرة لن ينتبه إليها الفتيان لأنهم لا يمتلكون القدرة بعد على تحليل تلك الرسائل المستترة خلف عالم رومنسي آسر ومخاتل، رسائل مرّرها الكاتب عن حسن نية أو سوء نية تماشيا مع مفاهيم وقيم عصر من العصور، لذا فإنّ إعادة تشكيل هذا المفهوم وغيره من المفاهيم النمطية التي تحاصر الإنسان وتفرض سلطتها الخفية عليه صار أمرا ضروريا وحتميا، ولكن ليس بشكل تعسفي ومتهور قد يضرّ بعالم الطفل أكثر مما يخدمه، وهذا ما أحاول فعله من خلال مقاربة تاريخية إبداعية معقّدة، فالمنتصر يكتب التاريخ كما يراه، وليس عليّ أن أتبنى طرحه الذي يخدم وجوده وكبرياءه، فإعادة كتابة التاريخ وفق منظور مختلف جزء من المغامرة الإبداعية التي لا تعترف بالحدود، ولكن ذلك لا يتم في الرواية إلا وفق منظور فني محض، أي أنّ التاريخ في الرواية يخضع للفن كما أن الواقع يخضع للفنتازيا والخيال، فتنتفي الحدود بين هذا وذاك ليصبح النص كذبة خيالية قابلة للتصديق، وذلك كلّه لإعادة بناء التصورات من جديد، تصورات يمثل فيها الطفل قوة المجتمع ومستقبله، وتصبح فيه المرأة كائنا قويا وحاضرا ومؤثرا في مسار الأحداث، وتمثل فيه البطولة والشجاعة عماد السلوك الإنساني.
لقد اخترت فترة مهمة من تاريخ الجزائر تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، حينما كان الرومان والقرطاجيون يتصارعون على حكم نوميديا، لم تكن تلك الفترة سهلة بل درامية بأتمّ معنى الكلمة، ولو انتبه إليها شكسبير لوثقها في إحدى مسرحياته، انتهى الصراع بسقوط القرطاجيين وحليفهم سيفاكس واعتلاء ماسينيسا العرش بمساعدة حلفائه الرومان الذين لم يكن يثق بهم رغم أنّهم مهدوا له أسباب السلطة، إنّ هذه الفترة هي مجرد نقطة ارتكاز وليس موقفا تاريخيا، لأنّ أبطال الرواية هم الطوارق الذين تحكي جبال الطاسيلي حضارتهم ونمط عيشهم وخيالهم الخصب، والتاريخ بمنظور الفن يختلف عما يراه ذاك الأكاديمي الصارم، لذا فإن هذه الفترة مجرد ديكور لأحداث خيالية ومتخيّلة تتداخل فيها النصوص واللاّنصوص وتتعالق فيما بينها، ولكنها كلّها في خدمة سياق سردي عام لا تحيد عنه.
إنّ كون هذه الرواية موجهة للفتيان أساسا لا يعني أنّها تحصر نفسها في هذا الفضاء، بل إنها تنفتح على كل الأعمار والثقافات، وقد لا يجد القارئ صعوبة في إدراك ذلك، وهي بشكل عام محاولة مني لإضافة نص جديد في أدب الأطفال الجزائري والعربي، ولمَ لا تتخذ مسارا أرحب وأوسع.
بني والبان، طه قديسة : 04/03/2023م
معاينة مجانية متاحة — اشترك لقراءة الباقي. (10%) اشترك للوصول الكامل →
آراء القرّاء
Log in to write a review
Log in to write a review


